جذور قديمة على طريق التجارة
تعود جذور الاستيطان البشري في منطقة جازان إلى عصور موغلة في القِدم، إذ عُثر في المنطقة على أدوات حجرية تعود إلى العصر الحجري القديم الأدنى (العصر الأشولي)، ما يشير إلى استيطان بشري مبكر جداً اعتمد جزئياً على موارد البحر الأحمر. وقبل الإسلام، شكّلت جازان — بموقعها على ساحل تهامة بين الحجاز واليمن — نقطة عبور مهمة على طرق التجارة القديمة، وحافظت على روابط ثقافية وتجارية مع الممالك اليمنية القديمة (معين وسبأ وقتبان وحضرموت وحِمْيَر) دون أن تخضع سياسياً لأي منها بشكل كامل، إذ عُرفت المنطقة تاريخياً باسم "المخلاف السليماني" نسبة إلى سليمان بن طرف الحكمي الذي وحّد مخلافي حكم وعثر.
العصر الإسلامي
دخلت قبائل المنطقة الإسلام مبكراً؛ فقد ذكرت المصادر التاريخية أن وفداً من قبيلة الحكم بن سعد العشيرة برئاسة عبدالجد بن ربيعة الحكمي قصد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في العام العاشر للهجرة معلناً إسلام قومه، وتلا ذلك تعيين ولاة على المنطقة ضمن الدولة الإسلامية. وظلت جازان محطة على طريق تجاري وحَجّي مهم يربط اليمن بالحجاز طوال العصور الإسلامية اللاحقة.
الوجود العثماني
مع عودة العثمانيين إلى تهامة اليمنية عام 1849م بعد غياب دام قرنين، امتد نفوذهم الاسمي إلى ساحل جازان ضمن إطار إداري فضفاض تابع لولاية الحجاز، حيث ظل الحكم المحلي للقبائل هو الفعلي على أرض الواقع رغم بعض التحصينات العثمانية الساحلية التي أُقيمت لتأمين طرق التجارة والحج. ولم يتحول هذا الوجود إلى سيطرة إدارية مباشرة راسخة، بل بقي محدوداً بحكم بُعد المنطقة وطبيعة قبائلها المستقلة.
إمارة الأدارسة
في مطلع القرن العشرين، برز محمد بن علي الإدريسي (من مواليد صبيا في عسير)، حفيد الشيخ أحمد بن إدريس الفاسي، ليؤسس إمارة الأدارسة (إمارة عسير) عام 1907م في تمرد على الحكم العثماني، متخذاً من مدينة صبيا عاصمة له، وموانئ جازان وميدي منفذين بحريين لإمارته. امتد نفوذ الإمارة على شريط ساحلي من تهامة يمتد نحو 130 كم بطول الساحل وحوالي 65 كم في العمق نحو مرتفعات عسير. وبعد وفاة محمد الإدريسي عام 1920م، تولى الحكم من بعده أقاربه حتى آل الأمر إلى الحسن الإدريسي.
الانضمام إلى الدولة السعودية
شهدت العلاقة بين إمارة الأدارسة والدولة السعودية الناشئة عدة مراحل: ففي 21 أكتوبر 1926م وُقّعت معاهدة مكة بين الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود والحسن الإدريسي، وبموجبها دخلت المنطقة تحت وصاية الملك عبدالعزيز، قبل أن يُعلن الإدريسيون لاحقاً إلغاء المعاهدة والتمرد. وفي عام 1930م، تنازل الحسن الإدريسي نهائياً عن حكمه، لتصبح جازان بذلك آخر منطقة في شبه الجزيرة العربية تنضم إلى الحكم السعودي. وجاءت معاهدة الطائف عام 1934م، التي أنهت الحرب السعودية اليمنية، لتُثبّت رسمياً سيادة المملكة العربية السعودية على نجران وعسير وتهامة الشمالية بما فيها جازان. وتذكر بعض المصادر أن التنظيم الإداري الرسمي للمدينة (كبلدية) يعود إلى عام 1932م.
التنمية الحديثة
منذ انضمامها إلى المملكة، شهدت جازان تحولاً تدريجياً من اقتصاد الصيد وصيد اللؤلؤ التقليدي إلى اقتصاد زراعي وصناعي حديث. فقد شكّل بناء سد وادي جازان حوالي عام 1970م نقطة تحول زراعية كبرى بحماية المدينة من السيول الموسمية وتوفير ري منتظم لآلاف الهكتارات، ما جعل جازان تُعرف بـ"سلة فواكه المملكة". وافتُتح ميناء جازان الحديث عام 1976م ليصبح من أهم موانئ البحر الأحمر، تلاه افتتاح مطار الملك عبدالله الإقليمي عام 1978م. وفي عام 2005م صدر المرسوم الملكي بإنشاء جامعة جازان التي وضع حجر أساسها الملك عبدالله بن عبدالعزيز عام 2006م، لتصبح صرحاً أكاديمياً رئيسياً في جنوب غرب المملكة. كما أُنشئ مستشفى الملك فهد المركزي بأمر من الملك فهد بن عبدالعزيز ليكون أحد أكبر المستشفيات في المنطقة، فيما تطورت شمال المدينة مدينة جازان الاقتصادية (مدينة جازان للصناعات الأولية والتحويلية) كمجمع صناعي ضخم للطاقة والبتروكيماويات ضمن رؤية التنويع الاقتصادي للمملكة. اليوم، تجمع جازان بين هويتها كمدينة ساحلية زراعية تقليدية ودورها المتنامي كمركز صناعي ولوجستي وتعليمي في أقصى جنوب غرب المملكة العربية السعودية.