حين يذكر الناس جازان، يتبادر إلى الذهن غالباً البحر وجزر فرسان، لكن المنطقة تخفي وجهاً جبلياً مختلفاً تماماً في محافظاتها الشرقية كفيفاء والدائر بني مالك والعارضة والريث والعيدابي وهروب، حيث تمتد جبال جزء من سلسلة السروات بارتفاعات تتراوح بين 2,000 و3,000 متر فوق سطح البحر. فيفاء تحديداً اكتسبت لقب "جارة القمر" لأن قممها كثيراً ما تختفي داخل الغيوم والضباب، في مشهد نادر لمنطقة تقع في جنوب شبه الجزيرة العربية شديد الحرارة معظم أوقات السنة عند مستوى سطح البحر.
ما يميز هذه الجبال ليس المناظر وحدها، بل أثر الإنسان فيها عبر قرون: مدرجات زراعية محفورة يدوياً في المنحدرات الشديدة، استُخدمت تاريخياً لزراعة الحبوب والفواكه، واليوم تشتهر بزراعة البن السعودي الخولاني، أحد أرقى أنواع البن في المنطقة والذي يحظى باهتمام متزايد محلياً وعالمياً. المشي بين هذه المدرجات في الصباح الباكر، حين يكون الضباب كثيفاً، يمنح تجربة تكاد تكون سريالية، إذ تظهر القرى الحجرية القديمة وكأنها معلّقة بين السحاب.
محافظة الدائر بني مالك، المجاورة لفيفاء، تحمل طابعاً مشابهاً مع إضافة تاريخية: قلاعها الحجرية القديمة التي بُنيت للدفاع والمراقبة، وأعلى قممها جبل تلّان الذي يتجاوز ارتفاعه 2,200 متر. المنطقة بأكملها موطن لثقافة زراعية جبلية فريدة تعتمد على الزراعة المدرّجة، وهي من أقدم أساليب الزراعة المستدامة في الجزيرة العربية.
من الناحية العملية، الوصول إلى هذه الجبال يتطلب سيارة قوية وقيادة حذرة على طرق جبلية متعرجة، ويُفضَّل تجنب القيادة ليلاً أو في أثناء الضباب الكثيف. أفضل وقت للزيارة هو الفترة بين أكتوبر ومارس، حين تكون درجات الحرارة في المرتفعات معتدلة جداً مقارنة بحرارة الساحل الخانقة، ما يجعل من فيفاء والدائر ملاذاً طبيعياً بارداً نسبياً حتى في أوقات لا تُعد مثالية لزيارة باقي مناطق جازان.
لمن يريد تجربة مختلفة تماماً عن الصورة النمطية لجازان الساحلية، فإن قضاء يوم كامل بين قرى فيفاء الجبلية يستحق كل دقيقة من وقت القيادة، ويمنح فهماً أعمق لتنوع هذه المنطقة الجنوبية النادر داخل المملكة.