قبل أن تكون سمرقند التي نعرفها اليوم بقبابها الفيروزية وساحاتها المهيبة، كانت مدينة أخرى تمامًا تحمل اسم "مراكندا"، وتقع على تلة أثرية تُعرف اليوم بموقع أفراسياب شمال المدينة الحالية. سكنت هذه المدينة منذ حوالي 500 قبل الميلاد وحتى الغزو المغولي عام 1220، وامتدت على مساحة تقارب 220 هكتارًا، بسماكة طبقات أثرية تصل إلى 8-12 مترًا - دليل على آلاف السنين من الاستيطان المتواصل.

في تلك الحقبة، حكم السغديون هذه المنطقة، من حوالي 700 قبل الميلاد حتى 750 ميلادية تقريبًا، وكانوا هم أسياد تجارة طريق الحرير الحقيقيين؛ فمعظم قوافل الحرير والتوابل والأفكار التي عبرت آسيا الوسطى كانت تمر عبر أراضي السغد، ما جعل مراكندا فعليًا عاصمة طريق الحرير غير الرسمية. حفريات القرن التاسع عشر الروسية في أفراسياب كشفت عن كنوز أثرية مذهلة: تماثيل خزفية، فخار مزخرف بدقة، عملات، مجوهرات، وأبرزها جداريات تعود للقرنين السابع والثامن الميلاديين ما زالت تُعرض اليوم في متحف أفراسياب المجاور للموقع.

الفصل الثاني من قصة سمرقند بدأ مع صعود تيمورلنك (أمير تيمور) في القرن الرابع عشر، الذي جعل من سمرقند عاصمة إمبراطوريته الشاسعة الممتدة من الهند إلى الأناضول. لم يكتفِ تيمور بجعلها مركزًا سياسيًا، بل استقدم إليها أمهر الحرفيين والمعماريين من كل أرض غزاها - من فارس والهند وحتى الأناضول - ليبنوا له عاصمة تليق بطموحه، وهذا ما يفسر التنوع اللافت في الطرز المعمارية التي تراها اليوم في زخارف المدينة.

من أبرز شواهد هذا العصر ضريح كور أمير (Gur-e-Amir)، الذي بدأ بناؤه في الأصل ليكون مدرسة ومقبرة لحفيد تيمور محمد سلطان، الذي توفي فجأة عام 1403. حين توفي تيمور نفسه في شتاء 1405 أثناء حملة عسكرية نحو الصين، تعذّر نقل جثمانه إلى ضريحه المُعدّ سلفًا في مسقط رأسه شهرسبز بسبب الثلوج الكثيفة، فقُرر دفنه في سمرقند إلى جانب حفيده. أكمل حفيده الآخر، عالم الفلك الشهير ألغ بيك، بناء الضريح لاحقًا. شاهد قبر تيمور اليوم كتلة واحدة من حجر اليشم الأخضر، وتحته في الطابق السفلي ترقد الرفات الحقيقية لتيمور وأبنائه وأحفاده.

ما يميز سمرقند عن أي محطة أخرى على طريق الحرير هو أنها لم تكن مجرد نقطة عبور للبضائع، بل كانت مختبرًا حقيقيًا لتلاقح الثقافات: الصينية والهندية والفارسية والتركية والإسلامية، تركت جميعها بصمتها في العمارة واللغة والفنون. لهذا السبب بالتحديد أدرجت اليونسكو سمرقند عام 2001 تحت اسم لافت: "سمرقند - ملتقى الثقافات".

لفهم سمرقند حقًا، ابدأ من متحف أفراسياب لترى جذورها القديمة، ثم انتقل إلى كور أمير لترى ذروة مجدها التيموري، فتكتمل الصورة بين حضارتين فصلتهما قرون لكن جمعتهما نفس البقعة من الأرض.