منذ أكثر من نصف قرن، وتحديداً في العام 1968، كان هناك كشك متواضع لبيع المرطبات على امتداد كورنيش أبوظبي القديم، افتتحه شاب طموح يدعى الحاج رضوان عثمان اشتية التميمي بعد رحلة تنقل طويلة وشاقة بين عدة دول عربية قبل أن يستقر أخيراً في أبوظبي. لم يكن أحد يتخيل حينها أن هذا الكشك الصغير سيتحول بعد عقود إلى واحد من أعرق أسماء المأكولات البحرية في دولة الإمارات بأكملها: مطعم "بوطافش".
القصة وراء الاسم نفسه تحمل لمسة تاريخية جميلة، فـ"بوطافش" لقب أطلقه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله - على صاحب المطعم، تخليداً لتلك الرحلة الطويلة التي خاضها قبل استقراره في العاصمة. ومع الوقت، أصبح المطعم أول مطعم عائم في أبوظبي، حيث كان الزوار يمشون على "عبرة" خشبية طافية فوق مياه الخليج بالقرب من الموقع الذي يقوم عليه اليوم نصب الاتحاد، ليستمتعوا بأطباق بحرية طازجة وسط أجواء بحرية أصيلة لا تُنسى.
اليوم، ورغم أن بوطافش توسّع وأصبح له عدة فروع في أبوظبي ودبي والعين، إلا أن فرع مرسى البطين تحديداً يحافظ على تلك الروح البحرية الأصلية التي بُني عليها اسم المطعم، بإطلالته المباشرة على مياه المرسى وأجواء هادئة بعيدة عن صخب المدينة، تجمع بين رائحة البحر المالحة وأصوات القوارب الراسية ونكهة السمك الطازج المشوي على الفحم.
فلسفة المطعم بسيطة لكنها راسخة: السمك يُصطاد يومياً من مياه الخليج العربي ويُقدَّم طازجاً دون تجميد أو تخزين طويل، وهو ما يفسّر استمرار ثقة الأجيال المتعاقبة من سكان أبوظبي بهذا الاسم لأكثر من خمسة عقود متواصلة. القائمة تضم كنوز البحر المحلية: الهامور الطازج مشوياً أو مقلياً، والصافي بلحمه الأبيض الطري، والروبيان الخليجي الكبير المشوي بالثوم والليمون، إلى جانب أطباق العائلة الخليجية الكلاسيكية كالمجبوس بالسمك أو الروبيان، والسمبوسة المقرمشة كمقبلات، والسلطات البحرية الطازجة المتبّلة بالليمون والكزبرة.
ما يميز بوطافش عن مطاعم السمك الفاخرة الحديثة أنه يحتفظ بطابعه الشعبي الأصيل رغم شهرته الواسعة؛ فالأجواء هنا عائلية بسيطة صادقة، والأسعار معقولة مقارنة بجودة المكونات الطازجة المقدَّمة، والخدمة تحمل دفء الضيافة الإماراتية التقليدية أكثر من رسمية المطاعم الفندقية. هذا المزيج بين الأصالة التاريخية والجودة الثابتة هو ما يجعل الإماراتيين أنفسهم - لا السياح فقط - يعودون إليه جيلاً بعد جيل، وما جعل قصته تُروى في تقارير صحفية محلية ودولية عن أعرق المطاعم العائلية في الخليج.
من الطقوس الجميلة التي حافظ عليها المطعم عبر تاريخه الطويل، أسلوب العرض التقليدي للسمك الطازج على الثلج أمام الزبون مباشرة، بحيث يختار الزائر سمكته بنفسه من بين الأصناف المعروضة، تماماً كما كان يفعل الصيادون وعائلاتهم قبل عقود، قبل أن تُحضَّر أمامه بالطريقة التي يفضلها. هذا التفاعل المباشر بين الزبون والمطبخ نادر اليوم في زمن القوائم الجاهزة والتوصيل السريع.
عملياً، يُفضَّل زيارة فرع مرسى البطين في ساعات المساء قبيل الغروب، حين يهدأ الجو الحار ويصبح الجلوس في الأجزاء الخارجية المطلة على المرسى تجربة ممتعة حقاً، مع إمكانية مشاهدة القوارب الصغيرة وهي تعود من رحلات الصيد اليومية. يُنصح باختيار السمك حسب الوزن مباشرة من عرض المأكولات الطازجة وتحديد طريقة الطهي المفضلة (مشوي، مقلي، أو بالفرن)، فهذه هي الطريقة التقليدية للطلب في مطاعم الأسماك الخليجية الأصيلة، وتضمن لك تجربة طازجة مصممة خصيصاً لذوقك بدل طبق جاهز من القائمة الثابتة.
ولمن يزور بصحبة العائلة أو مجموعة كبيرة، يُنصح بحجز طاولة مسبقاً في عطلة نهاية الأسبوع، إذ يشهد الفرع إقبالاً واسعاً من سكان أبوظبي أنفسهم مساء الخميس والجمعة، وهو مؤشر صادق على أصالة المكان يفوق أي تقييم سياحي، فالمطاعم التي يعود إليها أهل المدينة جيلاً بعد جيل نادراً ما تخذل الزائر الباحث عن نكهة حقيقية لا مجرد واجهة جميلة.
مطعم بوطافش - مرسى البطين
⭐ —
(0 تقييم)
·
قيّم المكان:
مطعم أسماك خليجي أصيل تأسس 1968 على كورنيش أبوظبي، فرع مرسى البطين يقدّم صيد اليوم الطازج بإطلالة على مياه المرسى.
💬 التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك تجربته!