حين تميل الشمس نحو صفحة الخليج العربي، وتبدأ أضواء أبراج الاتحاد الخمسة في التوهج فوق كورنيش أبوظبي، يكون تراس مطعم لي بيروت قد امتلأ بالفعل بروائح الزعتر البري والليمون المشوي وقهوة الهيل التي تُقدَّم بين الأطباق. هذا المطعم، المُطل من فندق كونراد أبوظبي داخل مجمع أبراج الاتحاد الشهير، ليس مجرد مكان لتناول الطعام، بل مسرح مفتوح على واحدة من أجمل بانوراميات العاصمة الإماراتية؛ الخليج من جهة، وأضواء قصر الوطن ومباني الكورنيش من جهة أخرى، تتشابك في مشهد يصعب نسيانه مع أول لقمة من المزة الباردة. يقدّم لي بيروت مطبخاً لبنانياً بنكهته الأصيلة، لكن بحس معاصر يظهر في التقديم قبل أن يظهر في الطعم؛ فالحمص يُقدَّم مزيَّناً بزيت زيتون بكر وصنوبر محمص بعناية، والتبولة تأتي خفيفة منعشة بنسب دقيقة من البقدونس والبرغل والليمون، بينما تتوالى أطباق المزة الساخنة من كبة مقلية مقرمشة إلى سمبوسك اللحم وبطاطا حرة بالفلفل والثوم، في تتابع يشبه سرد قصة على المائدة بدلاً من مجرد وجبة. أما اللحوم المشوية على الفحم — من الشيش طاووق إلى لحم الغنم المتبل بالبهارات اللبنانية — فتصل ساخنة مباشرة من الشواية المكشوفة، حاملة تلك الرائحة المميزة التي يعرفها كل من جرّب مطبخاً لبنانياً حقيقياً بعيداً عن النسخ التجارية المكررة. ما يميز لي بيروت فعلياً ليس فقط دقة الطبخ، بل الانسجام النادر بين المكان والمناسبة؛ فالديكور الداخلي بأقواسه المعمارية وإضاءته الدافئة يمنح إحساساً بالفخامة الهادئة، بينما يتحول التراس الخارجي، الذي يتسع لعشرات الضيوف، إلى الوجهة المفضلة لمن يريد الجمع بين عشاء راقٍ ومشهد غروب لا يتكرر. كثير من زوار أبوظبي يبحثون عن مكان يستحق الصورة بقدر ما يستحق الطبق، ولي بيروت يقدّم الاثنين معاً دون أن يفرّط في جودة الطعام لصالح المنظر، وهذا بالضبط ما يجعله من أكثر المطاعم التي يُنصح بها في قوائم أفضل إطلالات أبوظبي على مستوى العالم. ولمحبي الحلويات، تختتم التجربة عادة بأطباق الكنافة الدافئة والمهلبية بماء الورد، إلى جانب قائمة مشروبات غير كحولية مستوحاة من نكهات الليمون والنعناع والورد والزعفران، تُقدَّم بشكل أنيق يليق بمستوى المكان. كما يوفر الموقع سهولة وصول لمن يقيم في فنادق الكورنيش أو أبراج الاتحاد نفسها، ما يجعله خياراً عملياً لسهرة مسائية دون الحاجة لتنقل طويل داخل المدينة. للاستفادة الفعلية من الزيارة، يُفضَّل الحجز المسبق وطلب طاولة على التراس تحديداً إن كانت الإطلالة هي الأولوية، خصوصاً في أوقات المساء حين يزداد الإقبال على الجلسات الخارجية. اللباس الأنيق مناسب للمكان، وتناول العشاء هنا يصلح كمناسبة خاصة — ذكرى سنوية، عشاء عمل مهم، أو حتى أمسية عادية يراد لها أن تكون استثنائية. من يزور أبوظبي بحثاً عن تجربة تجمع بين النكهة اللبنانية الأصيلة وأفق الخليج المفتوح، سيجد في لي بيروت وجهة يصعب أن تُنافَس. يعود افتتاح لي بيروت إلى عام 2011، وقد بنى منذ ذلك التاريخ سمعته بوصفه أحد أكثر المطاعم اللبنانية احتراماً على مستوى الخليج، ليس بسبب موقعه الفاخر فقط، بل لأن المطبخ فيه يرفض التنازل عن الأصالة مهما كان الديكور عصرياً؛ فالخبز الطازج يُخبز باستمرار على مدار الخدمة، والصلصات تُحضَّر يومياً من مكونات طازجة بدلاً من الاعتماد على قوالب جاهزة. هذا الحرص التفصيلي هو ما يجعل الطبق البسيط، كصحن الفتوش أو ورق العنب، يصل بمستوى يليق باسم المكان وموقعه. كما تستحق قائمة المشروبات وقتاً من التأمل بحد ذاتها؛ فالكوكتيلات المبتكرة تستلهم نكهات الشرق الأوسط من ماء الورد والزعفران والهيل، وتُقدَّم في كؤوس مصممة خصيصاً تعزز الإحساس بالفخامة الهادئة التي يتميز بها المكان. وبين رشفة من هذه المشروبات ولقمة من المزة الساخنة، يمتزج المشهد الخارجي بالطعم في تجربة متكاملة الحواس، وهو بالضبط السبب الذي يجعل زوار أبوظبي، سواء كانوا مقيمين أو سائحين لأول مرة، يضعون لي بيروت في أعلى قائمة أولوياتهم عند البحث عن عشاء لا يُنسى.