في زحمة شارع خوانشي الأوسط بحي يويشيو، حيث تتكاثف يافطات المطاعم العربية وتتقاطع لهجات المسافرين الخليجيين واليمنيين والمصريين القادمين لحضور معرض كانتون أو للتسوق من أسواق قوانجو الكبرى، يقف مطعم السدة كواحة معتادة لكل من يشتاق إلى نكهة بيته وهو على بعد آلاف الأميال منه. يقع المطعم في الطابق الأول من مبنى جين ينغ برقم 316 على شارع خوانشي الأوسط، في قلب المنطقة التي يطلق عليها الوافدون العرب اسم "الحي العربي" لكثافة المطاعم والمقاهي والمحال التي تحمل يافطات بالعربية إلى جانب الصينية. يستقبل المطعم روّاده منذ الخطوة الأولى بدفء لا يخطئه من جرّب الضيافة اليمنية والخليجية الأصيلة، وسط ديكور بسيط يغلب عليه الطابع العملي أكثر من البهرجة، وهو ما يناسب طبيعة رواده من التجار والعائلات الباحثة عن وجبة شهية أكثر من بحثهم عن أجواء فاخرة.
مطبخ السدة يمني خليجي بامتياز، ويقوم على فلسفة بسيطة: طبخ بطيء، وتوابل متوازنة، ومكونات طازجة تُختار يومياً من الأسواق المحلية القريبة. القائمة هنا مبنية حول الأطباق التي تُختبر بها هوية أي مطعم يمني يستحق اسمه، وفي مقدمتها المندي بأرزه البسمتي المطهو ببطء فوق نار هادئة حتى يتشرب نكهة اللحم ودخان الفحم، سواء كان لحم غنم أو دجاج. يليه الكبسة بتوابلها المتوازنة التي تفوح رائحتها من بعيد وتمزج بين الهيل والقرفة والزعفران بنسب مدروسة، ثم المظبي المشوي على الطريقة التقليدية في حفرة أو على نار مباشرة، بما يمنحه قشرة خارجية مقرمشة ولحماً طرياً ينفصل عن العظم بسهولة. لا يخلو الجدول أيضاً من الفحسة والسلتة اليمنية الشهيرة، وهما طبقان يقدّمان عادة كطبق جانبي حار يضفي على الوجبة طابعاً منزلياً أصيلاً يصعب إيجاده خارج اليمن أو في المطاعم القليلة التي تحافظ على الوصفة الأصلية.
لا يقتصر الأمر على الأطباق الرئيسية، فالمقبلات هنا تحظى باهتمام لا يقل عن الأطباق الكبرى: الشوربة اليمنية الحارة، والسلطة الطازجة، والخبز التنّوري الذي يُخبز في فرن طيني تقليدي وتفوح رائحته في أرجاء الصالة قبل أن يصل إلى الطاولة. أما ختام الوجبة فيكون عادة بكوب من الشاي بالحليب أو القهوة العربية المرة المصحوبة بالتمر، في لمسة تذكّر الزائر الخليجي بمجلسه في الديار.
ما يميز السدة عن كثير من جيرانه في الشارع نفسه ليس الطعام وحده، بل الجو العائلي الذي يحيط بالمكان. الطاولات مرتبة بشكل يسمح للعائلات الكبيرة والمجموعات التجارية بالجلوس معاً، والطاقم يتعامل بلطف مع الزوار الجدد الذين قد لا يجيدون الصينية أو الإنجليزية، وهو أمر شائع بين رواد المطعم من رجال الأعمال الخليجيين الذين يقصدون قوانجو للتسوق بالجملة أو حضور المعارض التجارية. لهذا يجد كثير من الزوار العرب في هذا المكان أكثر من مجرد وجبة؛ إنها استراحة قصيرة من صخب المدينة الصينية الصاخبة، وفرصة لتذوّق نكهة تقرّب المسافة بين قوانجو وشبه الجزيرة العربية.
للزائر القادم لأول مرة، يُنصح بالوصول في أوقات الذروة، أي وقت الغداء بين الثانية عشرة والثانية ظهراً، ووقت العشاء بعد السابعة مساءً، مبكراً بعض الشيء لضمان مكان جلوس، خاصة في مواسم المعارض التجارية الكبرى حين تمتلئ المنطقة بالزوار العرب والأفارقة. يقع المطعم على مسافة سير قصيرة من محطة مترو شياو باي، ما يجعله خياراً عملياً لمن يقيم في فنادق وسط المدينة ويبحث عن وجبة حلال أصيلة دون الحاجة لرحلة طويلة عبر المدينة.
يجدر بالزائر أن يعلم أن الأسعار في السدة معقولة مقارنة بمطاعم الفنادق الكبرى، وأن الحصص سخية بما يكفي لمشاركتها بين شخصين، وهو ما يجعله خياراً اقتصادياً مناسباً للمقيمين لفترات طويلة أو الطلاب العرب الذين يدرسون في جامعات قوانجو. كما يحرص كثير من الزوار على طلب الوجبة "على الصينية" بدلاً من الأطباق الفردية عند التوجه في مجموعة، فتُقدَّم كومة المندي أو الكبسة في طبق واحد كبير يتوسط الطاولة على الطريقة الخليجية التقليدية، ما يمنح الوجبة طابعاً اجتماعياً يعكس روح الكرم العربي حتى وهم بعيدون عن الوطن بآلاف الكيلومترات.
💬 التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك تجربته!