في قلب حي ليوان العريق بمدينة قوانجو، حيث تتشابك الأزقة القديمة مع أسواق الجملة الصاخبة، يقف مطعم سقطرى كواحة يمنية أصيلة تعيد للزائر الخليجي رائحة الوطن وطعمه. يحمل المطعم اسم الجزيرة اليمنية الشهيرة سقطرى، وكأنه يريد أن يذكّر روادها بعبق الجزيرة العربية وسط صخب مدينة صينية تعج بالحركة والتجارة. يقع المطعم في مبنى Yuexiu Fortune Mansion، الطابق السفلي B1، رقم 149 بشارع شيوان (Xiwan Road)، في منطقة تعرف بكثافة الجالية العربية واليمنية تحديدًا، ما يجعله نقطة تجمع طبيعية للتجار والمسافرين العرب القادمين إلى قوانجو لأغراض الاستيراد والتصدير. لطالما كانت قوانجو، أو كانتون كما عرفها التجار العرب قديمًا، محطة رئيسية على طريق الحرير البحري الذي ربط الجزيرة العربية بجنوب الصين منذ قرون، حين كان التجار اليمنيون والعمانيون يفدون إليها لتبادل البضائع عبر بحر الصين الجنوبي. وقد استعاد هذا الحضور طابعه المعاصر في العقود الأخيرة مع تدفق التجار الخليجيين والأفارقة نحو أسواق قوانجو للجملة، فتحول حي ليوان تدريجيًا إلى ما يشبه امتدادًا عربيًا صغيرًا داخل المدينة الصينية، ومطعم سقطرى واحد من أبرز تجليات هذا الامتداد اليمني تحديدًا وسط هذا المشهد. يقدّم سقطرى مطبخًا يمنيًا وعربيًا أصيلاً يعتمد في جوهره على الأرز المُعطّر بالزعفران والهيل، والذي يُقدَّم عادة مرافقًا للحوم الغنم المطهوة ببطء على الطريقة اليمنية التقليدية حتى تتفكك عن العظم بسهولة وتحتفظ بنكهتها العميقة. هذه الطريقة في الطهي البطيء هي سر المطابخ اليمنية الكبرى، وهي ما يميز سقطرى عن كثير من المطاعم العربية العامة المنتشرة في المدينة والتي تقدم مطبخًا عربيًا مجمّعًا دون هوية واضحة. إلى جانب الأطباق الرئيسية، يحرص المطعم على تقديم الشاي والقهوة العربية كختام للوجبة، في أجواء تسمح بالجلوس لفترة أطول والاسترخاء، فهو ليس مجرد مطعم للوجبات السريعة بل مساحة تجمع بين وظيفة المطعم ووظيفة المقهى في آن واحد. ومن الناحية الحسية، يحرص المطعم على أجواء داخلية بسيطة لكنها مألوفة، بجلسات تسمح بالتجمع حول موائد مشتركة على الطريقة اليمنية، وروائح الهيل والزعفران التي تفوح من المطبخ فور الاقتراب من المدخل، وهو تفصيل صغير لكنه كافٍ لأن يشعر الزائر بأنه أقرب إلى صنعاء أو المكلا منه إلى قلب مدينة صينية بهذا الحجم. يناسب سقطرى بشكل خاص العائلات الخليجية والمجموعات التجارية التي تقضي وقتًا طويلاً في قوانجو لأغراض التسوق من الأسواق القريبة، إذ يوفر لهم استراحة مألوفة الطعم بعيدًا عن ضغط التفاوض مع الموردين وجولات المعارض. كما يجد فيه رجال الأعمال مكانًا هادئًا نسبيًا لعقد لقاءات عمل غير رسمية على فنجان قهوة عربية، بعيدًا عن صخب المطاعم الصينية المزدحمة. ولأن القائمة تعتمد على أطباق مألوفة للذائقة الخليجية، فإنه خيار مطمئن للعائلات التي تصطحب أطفالها ولا ترغب في المجازفة بتجربة مطابخ صينية قد لا تناسب أذواق الصغار. من الناحية العملية، ينصح الزائر القادم من دول الخليج بأخذ عنوان المطعم بالصينية جاهزًا على الهاتف قبل الخروج، لأن سائقي سيارات الأجرة في قوانجو نادرًا ما يتحدثون الإنجليزية، وتطبيقات الخرائط الصينية مثل Amap أكثر دقة من خرائط جوجل في تحديد المواقع داخل المدينة. حي ليوان نفسه يستحق التجول فيه قبل الوجبة أو بعدها، فهو من أقدم أحياء قوانجو ويضم أسواقًا تراثية وممرات مائية تعكس الطابع الجنوبي الصيني التقليدي، ما يمنح الزيارة بعدًا سياحيًا إلى جانب البعد الغذائي. وبما أن المطعم يقع في منطقة تجارية نشطة، يفضَّل الوصول في أوقات الظهيرة المبكرة أو المساء لتجنب ازدحام ساعات الذروة التجارية في الحي. ويمكن للزائر أن يجمع بين وجبته في سقطرى وجولة قصيرة في شارع شانغشياجيو التجاري القريب (Shangxiajiu)، أحد أعرق الشوارع التجارية في قوانجو والمعروف بعمارته الاستعمارية القديمة وممراته المسقوفة التقليدية، أو زيارة معبد الأجداد آل تشن الشهير القريب نسبيًا، ما يمنح الرحلة بعدًا ثقافيًا وتاريخيًا إلى جانب النكهة اليمنية الأصيلة التي يقدمها المطعم. بشكل عام، يمثل مطعم سقطرى محطة موثوقة لكل مسافر خليجي يبحث عن نكهة يمنية حقيقية في قلب الصين، ويجمع بين دفء الضيافة العربية وعملية الموقع القريب من الأسواق، ليكون خيارًا يجمع بين الوجبة الشهية والراحة النفسية بعيدًا عن الغربة.