يقع مطعم "باب اليمن" في حي يويشيو (Yuexiu) وسط مدينة قوانجو الصينية، على الطابق الأول من مبنى هويتشو الواقع على طريق هوانشي الأوسط، وهي المنطقة نفسها التي تحتضن أكبر تجمع للجالية العربية والمسلمة في المدينة، والمعروفة محلياً باسم "شياو بيه". هذا الموقع ليس صدفة؛ فالمطعم افتتح خصيصاً ليكون امتداداً لذائقة الجزيرة العربية وسط زحام التجارة الصينية، ليصبح محطة يقصدها التجار والمسافرون السعوديون والخليجيون واليمنيون الذين يفدون إلى قوانجو لحضور معرض كانتون أو لأغراض الاستيراد والتصدير، فيجدون فيه نكهة البيت وسط الغربة. المطبخ اليمني من أعرق مطابخ الجزيرة العربية وأكثرها تنوعاً، فقد تشكّل عبر قرون من التبادل التجاري عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي، فامتزجت فيه التوابل الهندية والأفريقية بالحبوب والبقوليات المحلية، لينتج مطبخاً غنياً بالنكهات الحارة والعطرية. وأبرز ما يقدمه مطعم باب اليمن هو طبق "المندي" الشهير، وهو لحم الضأن أو الدجاج المطهو ببطء فوق جمر الحطب في حفرة تقليدية (التنور) حتى ينضج ببطء ويكتسب نكهة دخانية مميزة، ثم يُقدَّم فوق طبقة من الأرز البسمتي المتبل بالبهارات اليمنية الأصيلة والزعفران. إلى جانب المندي، يحرص المطعم على تقديم "السلتة"، وهي الطبق الوطني اليمني الذي يتكون من مرق لحم غامق اللون يُعرف بـ"المرق"، تُضاف إليه رغوة الحلبة المخفوقة و"السحاوق" (خليط الفلفل والطماطم والثوم والأعشاب المطحونة)، وتُقدَّم في وعاء حجري ساخن مع الأرز والبطاطس والبيض. ولا يقل عنه شهرة طبق "الفحسة"، وهو حساء من قطع اللحم الصغيرة المطهوة مع الحلبة والبهارات حتى تذوب في مرق كثيف دافئ، يُؤكل تقليدياً بواسطة الخبز اليمني الطازج بدلاً من الملاعق. ولا يكتمل أي وجبة يمنية أصيلة دون الخبز الطازج المخبوز في التنور، مثل "الملوّح" الرقيق المطوي بالسمن، و"الكُماج" السميك ذي القشرة المقرمشة، إضافة إلى العسل اليمني الشهير المستخرج من أشجار السدر في المرتفعات الجبلية، والذي يُقدَّم غالباً مع الخبز كوجبة إفطار أو ختاماً للوجبة. كما يوفر المطعم أطباقاً جانبية مثل "الشفوت" (خبز مفتت في لبن مخفوق بالنعناع والفلفل الأخضر)، وهو طبق منعش مثالي في أجواء قوانجو الرطبة. يتميز المطعم بأجواء عائلية دافئة يديرها طاقم يمني يحرص على تقديم الضيافة العربية الأصيلة، من الترحيب الحار عند الدخول إلى تقديم القهوة اليمنية المرة المعطرة بالهيل والزنجبيل في ختام الوجبة، تماماً كما تُقدَّم في المجالس اليمنية والخليجية. وبما أن جميع الأطباق تُحضَّر وفق الأصول الإسلامية، فإن المطعم يشكّل خياراً آمناً وموثوقاً للمسافرين المسلمين الباحثين عن طعام حلال في مدينة صينية يصعب فيها أحياناً التأكد من مصدر اللحوم. يناسب المطعم الزيارات العائلية والجماعية على حد سواء، حيث تتوفر طاولات واسعة تلائم مجموعات التجار الذين يجتمعون لتناول وجبة دسمة بعد يوم طويل في أسواق قوانجو، كما يقصده كثير من المسافرين العرب الباحثين عن نكهة تذكّرهم بالوطن وسط رحلة عمل أو سياحة طويلة. ويُنصح بالوصول مبكراً في أوقات الذروة نظراً لإقبال الجالية العربية الكبير على المكان، خصوصاً خلال فترات انعقاد معرض كانتون حين يتضاعف عدد الزوار العرب في المدينة. ومن اللافت أن اليمن ليست فقط منبع أشهر الأطباق العربية، بل هي أيضاً الموطن الأصلي للقهوة العربية؛ فمن ميناء "المخا" اليمني القديم انطلقت حبوب البن إلى العالم أجمع، ومنها اشتُقّت تسمية "موكا" الشهيرة عالمياً. لذلك يحرص مطعم باب اليمن على تقديم القهوة اليمنية المحمصة بعناية، إلى جانب الشاي اليمني المُعد بالحليب والهيل والقرفة، ليكتمل مشهد المائدة اليمنية الأصيلة من أول طبق حتى آخر رشفة. تُقدَّم الوجبات في المطعم عادة بأسلوب المشاركة الجماعية على طريقة "الصينية" الواحدة التي يتحلّق حولها الجميع، تماماً كما جرت العادة في البيوت اليمنية والخليجية، وهو ما يمنح الزيارة طابعاً اجتماعياً دافئاً يعزز شعور الألفة بين المسافرين البعيدين عن أوطانهم. كما يحرص الطاقم على شرح مكونات كل طبق بصبر للزبائن غير المعتادين على المطبخ اليمني، مما يجعل التجربة مناسبة أيضاً لمن يزور المطبخ اليمني لأول مرة ويرغب في التعرف على تراثه الغني بالنكهات.