بعض المدن تُروى قصتها عبر أسواقها ومطابخها بقدر ما تُروى عبر مساجدها وقصورها، وبورصة واحدة من هذه المدن؛ فهي كانت محطة النهاية لطريق الحرير العظيم، وموطن أحد أشهر أطباق الكباب في العالم.
خان كوزا: نهاية طريق الحرير
في عام 1491، بأمر من السلطان العثماني بايزيد الثاني، بُني خان كوزا (خان الشرنقة) ليكون مركزاً لتجارة الحرير المزدهرة في المدينة. الاسم نفسه، "خان الشرنقة"، يشير مباشرة إلى شرانق دودة القز التي كانت تُتاجر فيها. كانت بورصة تقع عند نقطة استراتيجية على طريق الحرير القديم، الشبكة التجارية الممتدة من الصين إلى أوروبا، ما جعلها المحطة الأخيرة حيث يُباع الحرير الخام قبل تحويله لمنسوجات تُصدَّر إلى القصور والنبلاء في أنحاء أوروبا والعالم الإسلامي.
الخان، بتصميمه المكوّن من طابقين حول فناء داخلي هادئ وأكثر من 95 غرفة كانت تُستخدم كمخازن ومكاتب تجارية، كان مركزاً دولياً حقيقياً؛ حتى إن وكيل عائلة ميديشي الفلورنسية التجارية كان له مكتب هناك في أوائل القرن السادس عشر، وهو دليل على المكانة العالمية التي تمتعت بها بورصة كعاصمة تجارية للحرير. اليوم لا يزال الخان نشطاً كسوق تجاري، وإن تحول تركيزه أكثر نحو بيع الحرير المصنّع والمنسوجات والهدايا التذكارية للزوار، لكن الأجواء المعمارية الأصلية باقية كما هي تقريباً.
ولادة الإسكندر كباب: قصة صبي في الثالثة عشرة
عام 1867، وفي سوق قايخان القريب من خان كوزا، ابتكر فتى يُدعى إسكندر أفندي -بمساعدة عمه ثابت ديدة- طريقة جديدة تماماً لتحضير اللحم: بدل الشوي الأفقي المعتاد، علّق شرائح لحم الضأن منزوعة العظم والعصب عمودياً وأدارها حول محورها أثناء الشوي، ما ضمن نضجاً متساوياً. قدّم اللحم فوق خبز البيتا مع صلصة طماطم وزبدة غنم ذائبة، مع اللبن الزبادي إلى جانبه. هذه الطريقة، البسيطة في فكرتها والثورية في نتيجتها، أصبحت لاحقاً أساس الدونر كباب المعروف عالمياً، ويُنسب اختراعه المباشر لبورصة تحديداً.
سليل عائلة إسكندر أوغلو ما زالوا يديرون المطعم الأصلي في بورصة حتى اليوم، ويحتفظون بحقوق اسم "كباب إسكندر" التجارية، والمكان الأصلي في سوق قايخان يُجهَّز حالياً ليصبح متحفاً يروي هذه القصة.
نكهات أخرى تستحق التجربة
- الكستناء المسكرة (كستانه شكري): حلوى تقليدية من مدينة تشتهر بأشجار الكستناء المحيطة بها.
- الشاي والحلاوة الطحينية المحلية: تُباع في محلات صغيرة داخل الأسواق القديمة، غالباً بوصفات عائلية توارثتها الأجيال.
- منتجات الحرير الحديثة: مناديل وأوشحة حريرية تُباع في خان كوزا ومحيطه، بعضها لا يزال يُنسج بطرق تقليدية.
لماذا يستحق هذا الجانب من بورصة رحلة مخصصة؟
كثير من الزوار يمرون على بورصة سريعاً في طريقهم لأولوداغ أو الينابيع الحارة، لكن قصة الحرير والكباب تحديداً تكشف جانباً آخر من المدينة: بورصة كمركز تجاري واقتصادي شكّل جزءاً من هوية الدولة العثمانية منذ أيامها الأولى، وليس فقط كعاصمة سياسية أو دينية.