بمجرد أن تعبر الباب الرئيسي، تشعر وكأن ساحراً لف بك عبر الزمن والجغرافيا معاً؛ فالسقف فوقك يتحول من قبة فارسية مذهبة مطلية يدوياً إلى أهرامات مصرية مصغرة، ثم إلى سفينة صينية شراعية ضخمة ترسو وسط الممر وكأنها وصلت للتو من ميناء قديم. لا يوجد مول آخر في العالم يجعلك تشعر أنك تسافر عبر ست حضارات مختلفة في مسافة لا تتجاوز كيلومتراً واحداً من المشي، وهذا بالضبط ما يجعل مول ابن بطوطة تجربة استثنائية لا تتكرر في أي وجهة تسوق أخرى بدبي.
المول سُمي تكريماً للرحالة المسلم الشهير ابن بطوطة، الذي طاف في القرن الرابع عشر مساحات شاسعة من العالم الإسلامي والصين والهند، وصُمم بحيث تمثل كل ساحة من ساحاته الست محطة من محطات رحلاته الحقيقية: ساحة الصين بسفينتها الخشبية العملاقة وتفاصيلها المذهبة، ساحة الهند بنسخة مطابقة لساعة الفيل المائية التي صممها المهندس الجزري في القرن الثاني عشر، ساحة فارس بقبتها المرسومة يدوياً بدقة مذهلة، ساحة مصر بأهراماتها وأعمدتها الفرعونية، ساحة الأندلس بنافورتها المزينة بتماثيل الأسود على الطراز الأموي، وأخيراً ساحة تونس بزخارفها الإسلامية الدقيقة. هذا التصميم المعماري السردي يجعل من مجرد المشي بين المحلات جولة تعليمية وثقافية حقيقية، لا يحتاج زائرها لدفع رسوم دخول متحف لكي يستمتع بها.
افتُتح المول عام ٢٠٠٥ على يد شركة نخيل العقارية، وتم تصميمه ليكون أكبر مركز تسوق في العالم بموضوع تاريخي وثقافي موحّد، وهي فكرة لم يجرؤ أي مشروع تجاري آخر على تنفيذها بهذا الحجم وهذا المستوى من الدقة في إعادة إنتاج التفاصيل المعمارية الأصلية. فكل عمود وكل زخرفة وكل لوحة فسيفساء صُمم بالرجوع إلى مراجع تاريخية حقيقية من الحضارات الست التي زارها ابن بطوطة فعلياً في رحلته التي استمرت نحو ثلاثين عاماً وقطع خلالها مسافة تفوق مسافة رحلات ماركو بولو مجتمعة.
ما يستحق الزيارة فعلياً هنا يتجاوز جمال العمارة: يضم المول أكثر من ٣٠٠ متجر تتوزع على الساحات الست، إضافة إلى صالة بولينج مميزة تقع داخل ساحة الهند نفسها وسط أجواء الزخارف الشرقية، ودار سينما متعددة الشاشات، ومركز ترفيهي مخصص للأطفال، وعدد من الفنادق المتصلة مباشرة بالمول، ما يجعله وجهة متكاملة ليوم كامل من التسوق والاستكشاف دون الحاجة للخروج منه. موقعه في منطقة جبل علي جنوب غرب دبي يجعله أيضاً محطة مريحة لمن يقصد المناطق الساحلية الجنوبية للمدينة أو القادمين من أبوظبي عبر شارع الشيخ زايد.
ولمحبي التصوير والتفاصيل الدقيقة، تستحق نافورة الأسود في ساحة الأندلس وقفة خاصة، فهي مستوحاة مباشرة من نافورة الأسود الشهيرة في قصر الحمراء بغرناطة، بينما تجذب ساعة الفيل المائية في ساحة الهند اهتمام عشاق التاريخ والهندسة القديمة نظراً لدقة إعادة إنتاجها لآلية الجزري الأصلية التي كانت تُعد من عجائب الهندسة الميكانيكية في العصور الوسطى. أما هواة التسوق، فسيجدون في المول مزيجاً متوازناً بين المتاجر العالمية المعروفة والمحلات المتخصصة الصغيرة التي يصعب إيجادها في مولات دبي الأخرى الأكثر ازدحاماً وصخباً، ما يمنح الزيارة طابعاً أكثر هدوءاً واسترخاءً مقارنة بمراكز التسوق المركزية في وسط المدينة.
الفائدة العملية التي لا يجب أن تفوتك: خصص وقتاً للتوقف في كل ساحة والتقاط التفاصيل المعمارية الدقيقة بدل المرور السريع، فالقيمة الحقيقية لهذا المول تكمن في تفاصيله لا في حجمه فقط — انظر لأعلى دائماً، فالسقوف هنا صُممت لتُروى قصة. ساحة الصين تحديداً تستحق وقفة أطول لتأمل السفينة الخشبية وتفاصيلها النحتية. المول متصل مباشرة بمحطة مترو ابن بطوطة على الخط الأحمر، وهي من أسهل وأرخص طرق الوصول إليه دون الحاجة لسيارة أو مواجهة زحمة شارع الشيخ زايد في أوقات الذروة. وإذا كنت تزور مع أطفال، احجز مسبقاً في صالة البولينج بساحة الهند لتفادي الانتظار، خصوصاً في المساء وعطلات نهاية الأسبوع حين يتحول المول إلى وجهة عائلية مزدحمة.
← دليل دبي
💬 التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك تجربته!