قصة زالتسبورغ مختلفة عن معظم المدن النمساوية الأخرى، إذ لم تكن جزءاً من إمبراطورية هابسبورغ لقرون طويلة، بل كانت "إمارة أسقفية" (Fürsterzbistum) مستقلة يحكمها أمراء-أساقفة كاثوليك يتمتعون بسلطة دينية وسياسية كاملة في آن واحد، واستمر هذا الاستقلال منذ القرون الوسطى حتى عام 1803 حين تم "علمنة" الإمارة وضمها لاحقاً إلى النمسا بعد سلسلة تحولات سياسية أعقبت الحروب النابليونية.

اسم المدينة نفسه، "زالتسبورغ" (Salzburg)، يعني حرفياً "قلعة الملح"، إذ كان الملح المستخرج من مناجم قريبة مصدر الثروة الأساسي الذي مكّن الأمراء-الأساقفة من بناء قصورهم وكنائسهم الباروكية الفخمة، وهذا ما يفسّر الطراز المعماري الموحّد الذي يميز البلدة القديمة اليوم. القرن السابع عشر تحديداً، في عهد الأمير-الأسقف ماركوس سيتيكوس ثم خلفه باريس لودرون، شهد أكبر موجة تجديد معماري حوّلت المدينة إلى "روما الشمال" بفضل مهندسين إيطاليين استقدموا خصيصاً لتصميم الكاتدرائية والقصور.

بفضل هذا التراث المعماري المتكامل والمحفوظ بشكل استثنائي، أُدرجت "البلدة القديمة التاريخية لمدينة زالتسبورغ" على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1996، تقديراً لكونها نموذجاً فريداً لمدينة أوروبية باروكية متكاملة داخل إطار من العمارة القروسطية الأقدم.

لا يمكن الحديث عن تاريخ زالتسبورغ الثقافي دون ذكر موسيقاها: فمن رحمها وُلد فولفغانغ أماديوس موزارت عام 1756، وأصبحت المدينة لاحقاً مركزاً عالمياً للموسيقى الكلاسيكية، تُوّج بتأسيس مهرجان زالتسبورغ عام 1920. أما ثقافياً، لا تزال الأزياء التقليدية النمساوية مثل "الديرندل" (Dirndl) للنساء و"الليدرهوزن" (Lederhosen) الجلدية للرجال حاضرة في المناسبات والاحتفالات الشعبية، خصوصاً خلال أسواق عيد الميلاد الشتوية التي تحوّل ساحات المدينة إلى مشهد ساحر من الأضواء والحرف اليدوية والمشروبات الدافئة كل عام بين أواخر نوفمبر وأواخر ديسمبر.

المطبخ المحلي يعكس أيضاً هذا المزيج بين الطابع الألماني-البافاري والتأثيرات النمساوية الخاصة، من أطباق الشنيتزل الفييني الشهير إلى حلوى "زالتسبورغر نوكرل" (Salzburger Nockerl) المرفوعة كالسحاب، التي يُقال إنها ابتُكرت في المدينة نفسها وتحمل اسمها فخراً.