وهران، الملقّبة بـ"الباهية" (الوهرانية: al-Bāhia)، مدينة يصعب اختصار هويتها في جملة واحدة، لأنها ببساطة نتاج تراكم عدة حضارات فوق بعضها البعض على مدى أكثر من ألف عام.
البدايات: مركز تجاري أندلسي
تأسست وهران الحديثة سنة 903 ميلادية على يد جماعات بربرية، واسمها مشتق من التعبير الأمازيغي "وا-إيهاران" الذي يعني "مكان الأسود". منذ بداياتها، كانت المدينة محطة تجارية نشطة بحكم موقعها الساحلي المتميز على البحر المتوسط، ما جعلها مركز جذب للتجار والمهاجرين من ضفتي المتوسط.
قرون من الحكم الإسباني
شهدت وهران فترتين متمايزتين من السيطرة الإسبانية: الأولى من 1509 إلى 1708، والثانية من 1732 إلى 1792، بعدما أمر الكاردينال سيسنيروس بغزوها سنة 1509. هذه القرون تركت بصمة معمارية وثقافية عميقة ما زالت ظاهرة في بعض أحياء المدينة القديمة وفي بعض العادات المحلية، وتُوّجت نهاية الوجود الإسباني ببناء جامع الباشا (حسن باشا) سنة 1796 احتفالًا برحيلهم النهائي.
الاستعمار الفرنسي وتحوّل ديموغرافي
في الرابع من يناير 1831، احتلت القوات الفرنسية بقيادة الجنرال دامريمون مدينة وهران، وبدأت حقبة استعمارية استمرت حتى استقلال الجزائر عام 1962. خلال هذه الفترة، تحوّلت وهران إلى مدينة متعددة الأعراق والأديان بامتياز: عرب وبربر وفرنسيون وإسبان ويهود جزائريون عاشوا جنبًا إلى جنب، وهو المزيج الذي شكّل لاحقًا الحاضنة الثقافية التي أنتجت أحد أهم أنماط الموسيقى العربية الحديثة.
الراي: موسيقى وُلدت من هذا الخليط
في عشرينيات القرن العشرين، وُلدت موسيقى الراي في حانات ونوادي وهران، المدينة التي كانت تُلقَّب حينها بـ"باريس الصغيرة" لشمال إفريقيا. امتزجت في هذا النمط الموسيقي إيقاعات البدو العرب مع الفلامنكو الإسباني والكاباريه الفرنسي وموسيقى الگناوة، لتخرج بصوت جديد بدأ بكلمات مرتجلة وصريحة تتناول قضايا اجتماعية كالبطالة والفقر، إلى جانب الحب والرغبة، بلغة مباشرة وأحيانًا جريئة ميّزتها عن الشعر التقليدي، وحتى انتقادات مباشرة لسلوك الشرطة الاستعمارية والمستوطنين.
بعد الاستقلال: هوية تتجدد
بعد 1962 غادر معظم السكان الأوروبيين واليهود المدينة، وتحوّلت معالم مثل الكنيسة الكبرى إلى مكتبة (مكتبة أوبير) عام 1984، والمعبد اليهودي الكبير إلى مسجد عام 1975 — تحوّلات تعكس إعادة تشكيل هوية المدينة الدينية والاجتماعية بعد رحيل حقبة كاملة من سكانها.
لماذا يهم هذا التاريخ الزائر اليوم؟
حين تمشي اليوم من جامع الباشا إلى ساحة الأسلحة وصولًا إلى الكورنيش، أنت فعليًا تعبر طبقات هذا التاريخ المتراكم: أندلسية، إسبانية، عثمانية جزئيًا، فرنسية، ثم جزائرية مستقلة. وهران ليست مجرد "مدينة ساحلية جميلة" — إنها سجل حي لواحدة من أكثر قصص التعايش والتحوّل تعقيدًا في المتوسط الغربي.
💬 التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك تجربته!