قلّة من البلدان تحمل في مبانيها وأسواقها وموسيقاها طبقات حضارية بهذا التنوع مثل تونس. لفهم ما تراه في تونس العاصمة اليوم، يساعد أن تعرف كيف تراكمت هذه الطبقات عبر ثلاثة آلاف سنة.

الأساس الفينيقي والبونيقي بدأت القصة مع الفينيقيين الذين أسسوا قرطاج في القرن التاسع قبل الميلاد، فحوّلوها إلى أعظم قوة بحرية وتجارية في غرب المتوسط، قبل أن تُدمَّر على يد روما عام 146 قبل الميلاد بعد صراع طويل عُرف بالحروب البونيقية.

الطبقة الرومانية أعاد الرومان بناء قرطاج وجعلوا من "أفريقيا" (الاسم الروماني لتونس القديمة) واحدة من أغنى مقاطعات الإمبراطورية، منتجة رئيسية للحبوب وزيت الزيتون. هذا العصر ترك إرثاً هائلاً يظهر بوضوح في فسيفساء متحف باردو، أكبر مجموعة فسيفساء رومانية في العالم، وفي أطلال قرطاج والمدرج الروماني الضخم في الجم.

الفتح الإسلامي وصعود القيروان مع الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، دخلت تونس مرحلة جديدة، وتأسست مدينة القيروان لتصبح أول عاصمة إسلامية في شمال أفريقيا ومركزاً دينياً وعلمياً مهماً لا يزال يحمل مكانة رفيعة في التاريخ الإسلامي حتى اليوم.

الأندلس تترك بصمتها مع سقوط الأندلس تدريجياً، استقبلت تونس موجات من المهاجرين الأندلسيين الذين جلبوا معهم عمارة وفنوناً وحرفاً تركت أثراً واضحاً في عمارة المدينة العتيقة بتونس العاصمة، من الأبواب المزخرفة إلى تصاميم الأفنية الداخلية.

العهد العثماني والحفصي في القرون الوسطى، ازدهرت تونس تحت حكم الأسرة الحفصية التي بنت معظم أسواق المدينة العتيقة الحالية في القرن الثالث عشر، ثم لاحقاً تحت النفوذ العثماني الذي أضاف طبقة معمارية وثقافية أخرى واضحة في بعض المساجد والقصور التاريخية، وفي عادات مثل الطربوش الأحمر التقليدي.

الحقبة الفرنسية وأثرها اللغوي خضعت تونس للحماية الفرنسية من 1881 حتى الاستقلال عام 1956، وهذه الحقبة تركت بصمة لا تزال حاضرة في اللغة (انتشار الفرنسية إلى جانب العربية)، والعمارة في بعض أحياء العاصمة الحديثة، وحتى في بعض العادات الغذائية.

فسيفساء اليوم نتيجة كل هذه الطبقات، تجد في تونس اليوم مزيجاً فريداً: أذان يتردد فوق أزقة بُنيت في العهد الحفصي، بجانب مقاهٍ بطابع فرنسي، وأسواق تبيع حرفاً يدوية تعود جذورها لقرون، وموسيقى المالوف الأندلسية التونسية التي تحمل صدى الأندلس المفقودة. زيارة متحف باردو والمدينة العتيقة معاً تمنحك أفضل خلاصة مرئية لهذا التاريخ الطويل، بينما التجول في الشوارع يكشف لك كيف لا تزال هذه الطبقات حيّة في الحياة اليومية للتونسيين.