يعود اسم تبليسي نفسه إلى قصة تأسيس مرتبطة بالطبيعة: فوفق الرواية التقليدية الجورجية، اكتشف الملك فاختانغ غورغاسالي في القرن الخامس الميلادي الينابيع الكبريتية الحارة في المنطقة أثناء رحلة صيد، فقرر بناء عاصمته الجديدة هناك، ومنحها اسم "تبليسي" المشتق من الكلمة الجورجية "تبيلي" التي تعني "دافئ"، نسبة إلى تلك المياه الحرارية التي لا تزال تغذي حمامات أبانوتوباني حتى اليوم. هذه الينابيع ليست مجرد حكاية تأسيس شعرية، بل واقع جيولوجي مستمر جعل من الموقع مستوطنة جذابة عبر العصور.

موقع تبليسي الجغرافي على ضفاف نهر متكفاري، عند نقطة التقاء طرق تجارية تصل القوقاز بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى، جعلها على مر القرون هدفاً استراتيجياً ونقطة عبور حضارية. مرّت على المدينة موجات متعاقبة من السيطرة: الفرس الذين أسسوا حصن ناريكالا الأول في القرن الرابع، ثم الفتح العربي الذي أسس إمارة تبليسي الإسلامية التي استمرت لعدة قرون، فالسلاجقة، فالمملكة الجورجية الموحدة في العصر الذهبي (القرنين الحادي عشر والثاني عشر)، ثم المغول، فالفرس الصفويين، ثم أخيراً الضم الروسي في مطلع القرن التاسع عشر.

هذا التنوع التاريخي ترك بصماته المعمارية والثقافية واضحة حتى اليوم: قلعة ناريكالا نفسها شاهد حي على هذه الطبقات المتعاقبة، إذ أضاف كل حاكم لاحق طبقة معمارية فوق سابقتها. حي أبانوتوباني بحماماته ذات القباب المستوحاة من الطراز الإسلامي يعكس التأثير الفارسي والعثماني. مسجد الجمعة في قلب البلدة القديمة، وهو المسجد الوحيد الباقي من إرث إسلامي كان أوسع بكثير، يظل رمزاً حياً لتلك الحقبة، وتفرده كمسجد يتشارك السنة والشيعة استخدامه يعكس طبيعة تبليسي التاريخية كملتقى للطوائف والثقافات المختلفة بسلام نسبي.

اليوم، يمكن للزائر أن يمشي بين كنيسة أرثوذكسية عمرها قرون، ومسجد تاريخي، وحمام كبريتي فارسي الطراز، وجسر زجاجي فائق الحداثة، كلها في مساحة صغيرة نسبياً داخل البلدة القديمة، وهو ما يجعل تبليسي أشبه بمتحف حي مفتوح يروي قصة تقاطع الشرق بالغرب على مدى خمسة عشر قرناً.