فهم طبقات برشلونة التاريخية يجعل زيارتها تجربة أعمق بكثير من مجرد التقاط الصور أمام المعالم. المدينة التي نراها اليوم بُنيت على أكثر من ألفي عام من التحولات.

الجذور الرومانية: بارسينو

قبل أن تكون مستوطنة رومانية، كانت المنطقة موطناً لسكان أيبيريين أطلقوا عليها اسم "باركينو". حوّلها الرومان إلى مستعمرة باسم "بارسينو" في القرن الأول قبل الميلاد، ومنحوها مكانة المدينة، فبنوا فيها منتدى عاماً وأسواراً وقناة مياه ومعبداً للإمبراطور أغسطس. استقر فيها جنود رومان متقاعدون، لكنها سرعان ما تحولت إلى مركز تجاري مهم بفضل موقعها على المياه.

القرون الوسطى: ازدهار وتوسع

بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، ازدهرت برشلونة تدريجياً حتى أصبحت من أهم المراكز الاقتصادية والسياسية في غرب البحر المتوسط. في هذه الحقبة المزدهرة، الممتدة بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، تشكّل الحي القوطي (باري غوتيك) بشكله الذي نعرفه اليوم تقريباً، بأزقته الضيقة ومبانيه الحجرية المتلاصقة.

مفاجأة: الحي القوطي ليس قوطياً بالكامل

من المفارقات اللافتة أن جزءاً كبيراً مما يبدو "قوطياً" في الحي اليوم أُضيف لاحقاً. مع استعداد برشلونة لمعرض 1929 العالمي، شعرت المدينة بأن حيها التاريخي ليس "قوطياً بما يكفي"، فموّلت إعادة تصميم واسعة: أُعطيت كاتدرائية المدينة واجهة قوطية جديدة، وبُني جسر شارع بيسبيه الشهير، وكُلّف أنطوني غاودي بتصميم إنارة الشارع في ساحة بلاسا رييال المجاورة، التي لا تزال أعمدة إنارتها بتصميمه قائمة حتى اليوم.

من مدينة صناعية إلى عاصمة حداثية

مع نهاية القرن التاسع عشر، شهدت برشلونة توسعاً عمرانياً ضخماً عُرف بمخطط "إيكسامبل"، الذي أعاد تنظيم المدينة بشوارع مستقيمة وواسعة، ووفر الأرضية لموجة من العمارة الحداثية الكتالونية (المودرنيسمو)، التي قادها معماريون من بينهم أنطوني غاودي، فحوّلوا المدينة إلى متحف مفتوح من المباني ذات الخطوط المنحنية والفسيفساء الملونة.

لماذا يهمك هذا وأنت تتجول؟ حين تمشي اليوم بين الحي القوطي وباسيچ دي غراسيا، أنت فعلياً تعبر بين طبقتين زمنيتين متجاورتين: العصور الوسطى بحجارتها الرمادية، والقرن العشرين المبكر بألوانه وأشكاله الجريئة. هذا التجاور هو ما يمنح برشلونة طابعها الفريد بين المدن الأوروبية.