تاريخ نيس مختلف بشكل ملحوظ عن باقي فرنسا، وهذا الاختلاف واضح في كل تفصيل بالمدينة، من ألوان مبانيها إلى نكهة مطبخها.

أسس الإغريق مستوطنة تجارية على موقع نيس الحالي في القرن الرابع قبل الميلاد وأسموها "نيكايا" (Nikaia) تيمناً بإلهة النصر، ومنها جاء اسم المدينة الحديث. لاحقاً، بنى الرومان مدينة "كيميلوم" (Cemenelum) القريبة، والتي تُعرف اليوم بحي سيميز (Cimiez) في نيس، وما زالت آثار الحمامات الرومانية والمدرج القديم ظاهرة هناك حتى اليوم.

النقطة الأهم في تاريخ نيس الحديث هي أنها لم تكن جزءاً من فرنسا لمعظم تاريخها؛ فقد كانت تابعة لمملكة سافوي ثم مملكة سردينيا-بيدمونت لقرون، وهو ما يفسر التأثير الإيطالي القوي جداً في عمارة المدينة القديمة، وفي مطبخها المحلي (كالسوكا والسلطة النيسواز)، بل وفي لهجتها المحلية التقليدية "النيسوارد" (Nissart) القريبة من الإيطالية. لم تنضم نيس إلى فرنسا رسمياً إلا عام 1860، عبر استفتاء شعبي أعقب اتفاقية تورين بين نابليون الثالث ومملكة سردينيا.

القرن التاسع عشر شهد تحوّلاً جذرياً في هوية نيس، حين اكتشفت النخبة الأوروبية – خصوصاً الإنجليز والروس – في مناخها المعتدل شتاءً ملاذاً مثالياً بعيداً عن برد شمال أوروبا القارس. بدأ الإنجليز ببناء ممشى ساحلي أصبح لاحقاً "كورنيش الإنجليز" الشهير، بينما شيّدت العائلات الأرستقراطية الروسية (ومنها العائلة الإمبراطورية) فيلات وكنائس أرثوذكسية فخمة لا تزال قائمة حتى اليوم، وأبرزها الكاتدرائية الروسية الأرثوذكسية في نيس، وهي الأكبر من نوعها خارج روسيا. هذا العصر، المعروف بـ"العصر الذهبي" (Belle Époque)، أنتج معالم مثل فندق نيغريسكو الذي افتُتح عام 1913 ولا يزال رمزاً للفخامة الكلاسيكية.

في أوائل القرن العشرين، أصبحت نيس ومحيطها من الريفييرا الفرنسية ملهماً لفنانين كبار مثل هنري ماتيس، الذي أمضى الجزء الأخير من حياته فيها وتأثر بضوئها الفريد وألوانها الزاهية في أعماله، ويضم متحف ماتيس في حي سيميز اليوم مجموعة كبيرة من أعماله. كما استقطبت المدينة مبدعين آخرين كبيكاسو ورينوار الذي عاش قريباً في كانيه سور مير.

اليوم، هذا المزيج من التراث الإغريقي والروماني والإيطالي والأوروبي الأرستقراطي والفني يجعل من نيس مدينة ذات هوية مركّبة وفريدة، مختلفة تماماً عن الصورة النمطية عن باقي فرنسا، وهو ما يمنحها سحراً خاصاً يستحق الاستكشاف بعمق أكبر من مجرد التوقف على الشاطئ.