من يمشي في أزقة بخارى القديمة دون خلفية تاريخية قد يظن أنها مدينة إسلامية بحتة على الدوام. لكن الحقيقة أعقد وأكثر ثراءً؛ فبخارى كانت، بحكم موقعها على طريق الحرير، ملتقى لجاليات متعددة الأديان واللغات عاشت وتاجرت وتفاعلت لقرون طويلة، وأبرزها الجالية اليهودية البخارية.

جذور هذه الجالية تعود إلى قرون طويلة، لكن ذروة ازدهارها كانت في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين تحت الحكم الروسي، حين شهدت فترة من الحرية النسبية والرخاء سمحت للتعليم والفنون والتجارة بالازدهار داخل الجالية. كان لبخارى في تلك الفترة ما يصل إلى 13 كنيسًا يهوديًا، وحي سكني كامل يُعرف بالحي اليهودي، تنتشر فيه بيوت ذات أفنية داخلية وزخارف مميزة قريبة من الطراز البخاري العام لكنها تحمل بصمتها الخاصة.

جاء العصر السوفيتي بتحديات جديدة؛ أُغلقت الكُنس، ومُنعت الممارسات الدينية علنًا، واضطرت التقاليد للاستمرار سرًا أو داخل البيوت. لاحقًا، مع موجات الهجرة الكبرى نحو إسرائيل والولايات المتحدة في القرن العشرين، تقلّص حجم الجالية بشكل كبير، وبقي في المدينة اليوم كنيسان يهوديان فقط يخدمان من تبقى من العائلات.

رغم هذا التراجع العددي، هناك جهود متجددة للحفاظ على هذا الإرث: ترميم الكُنس التاريخية، وتوثيق التقاليد الشفهية، وإنشاء مراكز ثقافية تروي قصة هذا التعايش الفريد. زيارة أحد الكُنس المتبقية، والحديث مع من تبقى من الجالية إن أتيحت الفرصة، تمنحك بعدًا مختلفًا تمامًا عن بخارى، بعيدًا عن المآذن والقباب.

وعلى مقربة من هذا الحي، يقف تشور مينور الشهير، ذلك البناء الغريب بأبراجه الأربعة الزرقاء الذي يبدو كأنه كرسي مقلوب مغروس في الأرض. بُني عام 1807 كبوابة مدخل (دارفازاخانا) لمدرسة أنشأها تاجر تركماني ثري يُدعى خليفة نيازقول، وطرازه المعماري أقرب إلى التأثيرات الهندية منه إلى الطراز البخاري التقليدي، وهو بحد ذاته دليل إضافي على أن بخارى لم تكن يومًا جزيرة معزولة، بل نقطة التقاء لثقافات القارة الآسيوية بأكملها.

هذا التنوع التاريخي - الفارسي والتركي واليهودي والهندي المتأثر بالتجارة - هو ما يمنح بخارى نكهتها الفريدة التي لا تجدها في أي مدينة أخرى على طريق الحرير، ويستحق وقتًا خاصًا من أي زيارة جادة للمدينة.