تحمل باتومي طبقات تاريخية متراكمة قلّما تجدها في مدينة بحجمها. فهي عاصمة إقليم أدجاريا (Adjara)، المنطقة الوحيدة في جورجيا التي كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية لقرابة ثلاثة قرون (من أواخر القرن السادس عشر حتى عام 1878)، وهو ما ترك بصمة ثقافية ودينية واضحة لا تزال محسوسة حتى اليوم، أبرزها الحضور الإسلامي التاريخي في المنطقة الذي يفسر وجود مسجد فعّال في قلب المدينة حتى الآن.

بعد ضم أدجاريا إلى الإمبراطورية الروسية عام 1878 بموجب معاهدة برلين، شهدت باتومي تحولاً جذرياً؛ إذ حوّلها الروس إلى ميناء نفطي استراتيجي مرتبط بخط أنابيب من باكو، فتدفقت إليها رؤوس الأموال الأوروبية بين تسعينيات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وهي الفترة التي أنتجت واجهات باتومي المعمارية الفاخرة ذات الطراز الأوروبي "الحقبة الجميلة" (Belle Époque) التي لا تزال تُميّز البلدة القديمة اليوم، مع مزيج من التأثيرات الفرنسية والإيطالية والعثمانية المتجاورة في مبنى واحد أحياناً.

في الحقبة السوفيتية، تحولت باتومي إلى منتجع ساحلي شهير لنخبة الاتحاد السوفيتي، ثم دخلت بعد الاستقلال الجورجي عام 1991 مرحلة جديدة من التطور السريع، خصوصاً منذ العقد الأول من الألفية الثانية حين استثمرت الحكومة الجورجية بكثافة في تحويل باتومي إلى وجهة سياحية عالمية، فظهرت ناطحات السحاب والفنادق الفاخرة وبرج الأبجدية جنباً إلى جنب مع الكنائس القديمة والمساجد التاريخية والبيوت الخشبية العثمانية الطراز.

ثقافياً، يحافظ سكان أدجاريا على هوية محلية مميزة داخل جورجيا، أبرز تجلياتها المطبخ المحلي الفريد، وعلى رأسه "خاتشابوري أدجاروتشي" (Khachapuri Adjaruli) الشهير عالمياً، وهو خبز على شكل قارب محشو بالجبن ومغطى ببيضة نيئة وقطعة زبدة توضع في المنتصف قبل التقديم مباشرة، ويُعد الطبق الأكثر تمثيلاً للمنطقة في كل أنحاء جورجيا وخارجها.

هذا المزيج النادر بين الإرث العثماني الإسلامي والتراث الأوروبي المعماري والهوية الجورجية الأرثوذكسية يجعل من التجول في شوارع باتومي القديمة تجربة تاريخية غنية، فكل زاوية تقريباً تحكي حكاية حقبة مختلفة، من المسجد العثماني إلى الكنيسة الأرثوذكسية إلى الفيلا الأوروبية إلى ناطحة السحاب الحديثة، كلها ضمن مسافة سير قصيرة.