قبل آلاف السنين، وقبل أن يُعرف النفط أو التوابل كأثمن سلع التجارة، كان اللبان — الراتنج الأبيض المستخرج من شجرة "البوسويليا ساكرا" التي لا تنمو بكثافة إلا في أجزاء محدودة من ظفار واليمن والصومال — هو السلعة الأغلى في العالم القديم، يُستخدم في المعابد المصرية والرومانية، وفي التحنيط، وفي الطب التقليدي، بل ورد ذكره في نصوص دينية متعددة كهدية ملكية.
لماذا ظفار تحديداً؟
مناخ ظفار شبه الاستوائي وتربتها الجيرية الجافة على المنحدرات الجبلية يوفران البيئة المثالية لنمو أشجار اللبان البرية، وأفضل الأنواع (يُعرف محلياً باسم "الحوجري" و"النجدي" و"الشعبي") ينمو تحديداً في المناطق المرتفعة الجافة القريبة من الساحل. هذا التفرد الجغرافي جعل من موانئ ظفار، وعلى رأسها ميناء البليد القديم (زفار) وسمهرم في خور روري، محطات إلزامية على طريق تجارة اللبان البحري والبري نحو اليمن ومصر وبلاد الشام وروما، بل وصولاً إلى الصين عبر تجار وسطاء.
اليونسكو وموقع "أرض اللبان"
في عام 2000، أدرجت اليونسكو أربعة مواقع أثرية في ظفار ضمن قائمة التراث العالمي تحت اسم "أرض اللبان": حديقة البليد الأثرية، أطلال سمهرم في خور روري، حقل أشجار اللبان في وادي دوكة، وموقع أُبار الأثري (شسر). هذا الاعتراف الدولي يؤكد أن ظفار لم تكن مجرد منتج للسلعة، بل كانت مركزاً حضرياً وتجارياً متكاملاً ازدهر لقرون بفضل هذه الشجرة الصغيرة.
كيف يُقطف اللبان اليوم؟
تقنية الحصاد لم تتغير جوهرياً منذ آلاف السنين: يُحدث شق في لحاء الشجرة فتُفرز راتنجاً أبيض حليبياً يُترك ليجف ويتصلّب لأسابيع قبل حصاده يدوياً على شكل "دموع" أو قطع صغيرة. الجودة تُصنَّف حسب اللون والنقاء والرائحة، وأغلى الأنواع يمكن أن يُباع بأسعار تضاهي التوابل النادرة.
أين تجرّب هذا التاريخ اليوم؟
متحف أرض اللبان داخل حديقة البليد يشرح هذه القصة بعرض تفاعلي ومقتنيات أثرية حقيقية، بينما سوق الحفة الشعبي يتيح شراء اللبان طازجاً ومحادثة التجار الذين توارثوا هذه المهنة عن أجدادهم. وادي دوكة نفسه، على بعد نحو 30 دقيقة من المدينة، يتيح رؤية الأشجار البرية في بيئتها الطبيعية دون أي تدخل سياحي مبالغ فيه.
هذه ليست مجرد سلعة سياحية؛ هي خيط يربط صلالة الحديثة بشبكة تجارية عالمية عمرها أكثر من ثلاثة آلاف عام.
💬 التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك تجربته!